اسمع القرأن

الأحد، 24 يوليو 2011

سورة الانعام

اسمها: سورة الأنعام، يقول ابن عاشور: "ليس لهذه السورة إلا هذا الاسم من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، (فقد)روى الطبراني بسنده إلى عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما (قال): قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفاً من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد"، وورد عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس ابن مالك، وجابر بن عبد الله، وأسماء بنت يزيد بن السكن-رضي الله عنهم- تسميتها في كلامهم سورة الأنعام.وكذلك ثبتت تسميتها في المصاحف وكتب التفسير والسنة.

وسميت سورة الأنعام لما تكرر فيها من ذكر لفظ الأنعام ست مرات من قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً} إلى قوله: { إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا} [الأنعام:136- 144]" [1]

- عدد آياتها: عند الكوفيين مائة وخمس وستون، وعند البصريين والشاميين ست وستون [ومائة]، وعند الحجازيين سبع وستون [ومائة] [2].

- ما اختلف نزولا عن السورة: يقول محمود الألوسي: "أخرج أبو عبيد والبيهقي وابن مردويه والطبراني وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت بمكة ليلا جملة واحدة، وروى خبر الجملة أبو الشيخ عن أبي بن كعب مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخرج النحاس في ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا ثلاث آيات منها فإنها نزلت بالمدينة {قل تعالوا أتل} إلى تمام الآيات الثلاث، وأخرج ابن راهويه في مسنده وغيره عن شهر بن حوشب أنها مكية إلا آيتين { قل تعالوا أتل } والتي بعدها، وأخرج أبو الشيخ أيضا عن الكلبي وسفيان قالا: نزلت سورة الأنعام كلها بمكة إلا آيتين نزلتا بالمدينة في رجل من اليهود وهو الذي قال: { ما أنزل الله على بشر من شيء } الآية، وأخرج ابن المنذر عن أبي جحيفة [قال]: نزلت سورة الأنعام كلها بمكة إلا "ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة" [3].

"ونقل الكلبي-رحمه الله تعالى-: عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما [قال]: نزلت سورة الأنعام بمكة إلا قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم} إلى قوله تعالى: {لعلكم تتقون} فهذه الست آيات مدنيات" [4].

- ترتيبها نزولا: يقول العلامة ابن عاشور: "القول الأصح أنها السورة الخامسة والخمسون في عد نزول السور، نزلت بعد سورة الحجر وقبل سورة الصافات" [5].

- فضلها: لم تنزل وفود الملائكة مشيعة لسورة إلا سورة الأنعام، وهذه خاصية عظيمة تدل على المكانة السامقة والمنزلة الرفيعة لهذه السورة، ذلك ما رواه جابر رضي الله عنه، حيث قال: "لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال" :لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق" [6] ، وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نزلت [سورة الأنعام] بمكة جملة واحدة ليلاً ونزل معها سبعون ألف ملك قد سدّوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتمجيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سبحان ربي العظيم" وخرّ ساجداً" [7] ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نزلت سورة الأنعام بمكة ليلة، جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح» [8].

قال البغوي: وروي مرفوعاً "من قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره"، وقال بعض العلماء : واختصت هذه السورة بنوعين من الفضيلة أحدهما : أنها نزلت دفعة واحدة ، والثاني : أنها شيعها سبعون ألفاً من الملائكة [9].

ومن الأحاديث التي بينت اشتراك هذه السورة مع غيرها في الفضل ما روته عائشة ـ رضى الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أخذ السبع الأول فهو حبر" [10] ، والأنعام من هذه السبع، كما أنها من السبعِ الطِّوالِ التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مكانَ التوراة، كما جاء عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت مكان التوراة السبع..." [11] ، وكذلكَ من المثاني الطوالِ التي أوتيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم (مقابلَ ألواحِ موسى) [12] ، ومن فضائلها ما ذكره عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث قال: "الأنعام من نجائب القرآن" وما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "من قرأ سورة الأنعام فقد انتهى في رضى ربه" [13] ، ويقول كعب الأحبار: "فاتحة التوراة الأنعام، وخاتمتها هود" [14].

- ظروف نزولها: لقد نزلت سورة الأنعام جملة واحدة مشتملة على دلائل التوحيد وقواعد العدل وحجج النبوّة وأخبار المعاد، فأبطلت مذاهب المبطلين ودحضت شبه الملحدين، وثبتت النبي صلى الله عليه وسلم حين حاول المشركون صرفه عن الدعوة إلى الإسلام، وبذلوا في ذلك السبيل أقصى ما يملكون لترضيته بما أحب مقابل التنازل عن تلك الدعوة، ومن أمثلة الإغراءات التي لجؤوا إليها لتحقيق أهدافهم تلك ما ذكره ابن إسحاق من أن عتبة بن ربيعة- وكان سيدًا مطاعا في قريش- قال لهم يومًا- ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده-: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثرون ويزيدون، فقالوا: بلى، يا أبا الوليد، قم إليه، فكلمه، فقام إليه عتبة،حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَةِ [15] في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال : فقال رسول صلى الله عليه وسلم : ( قل يا أبا الوليد أسمع ). قال : يابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ـ أو كما قال له ـ حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: (أقد فرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم، قال: ( فاسمع مني)، قال: أفعل، فقال: { بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ }[فصلت: 1-5]. ثم مضى رسول الله فيها، يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال: (قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك). فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعونى واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم [16].

في ذروة هذا العناد وفي خضم هذه المحاولات المتكررة من قبل المشركين وبعد ما تواطؤوا على إشاعته من الشبه حول نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما اتسموا به من التعنت تجاه هذا القرآن جاءت سورة الأنعام- في تلك الظروف الحبلى باللجاج والخصومة والتعصب- بالحجج الدامغة والردود المقنعة التي لا مناص لكل ذي عقل من الرضوخ لها، والانقياد لسلطانها، يقول الإمام القرطبي: "قال العلماء : هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة، وعليها بنى المتكلمون أصول الدين" [17]

مقدمة عامة عن السورة:

لقد جاءت آيات سورة الأنعام كلها تخاطب العقل بالبرهان والجنان بالبيان، وتتحدى في طرحها جحود الإنسان، فسددت قوارع للمشركين، ونوهت بالمؤمنين، وامتنت بنعم اشتملت عليها مخلوقات الله، وذكرت مفاتيح الغيب. قال فخر الدين الرازي:"قال الأصوليون أي علماء أصول الدين":السبب في إنزالها دفعة واحدة أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوءة والمعاد وإبطال مذاهب المعطلين والملحدين فإنزال ما يدل على الأحكام قد تكون المصلحة أن ينزله الله على قدر حاجاتهم وبحسب الحوادث، وأما ما يدل على علم الأصول فقد أنزله الله جملة واحدة" [18].

يقول ابن عاشور: "وهي أجمع سور القرآن لأحوال العرب في الجاهلية، وأشدها مقارعة جدال لهم واحتجاج على سفاهة أحوالهم من قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً}، وفيما حرموه على أنفسهم مما رزقهم الله"[19]. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}" [20].

لقد قدمت هذه السورة الكريمة العقيدة الصافية بشكل تربوي فريد؛ إذ عرضت باقة من الأسئلة إثارة لمكامن العقول، ثم لم تلبث أن قدمت لها من الردود ما يشفي الغليل ويبين قصور العقل البشري, فنبهت الفطر النائمة التي استودعها الله خلائقه، لاستيعاب قواعد التوحيد الخالص لله تعالى في ذاته العلية وصفاته الكاملة، وأكدت أن أعظم ما أمر الله به التوحيد المجسد لإفراد الله تعالى بالعبادة تزكية للنفوس، وهداية لها إلى السبيل الأقوم وتطهيراً لها من أدران الشرك، وتوجيها لها إلى استخدام أجهزة الاستقبال الفطرية في كيانها لإدراك الحقيقة التي تقودها إلى الاطمئنان بالإيمان، ذلك أن الإنسان بفطرتـه لا يملك أن يطمئن في هـذا الكون الهـائل إلا بربـاط إيماني يضمن له الاستقـرار، وعلاقة ربانية تبدل شقاءه إلى سعادة، وأثارة من الوحي تحول حيرته إلى طمأنينة، وأساس من التوحيد يحيل ضلالـه إلى هداية. إن حاجـة الإنسان إلى ديـن الله تعالى حاجة فطـريـة مركـوزة في جبلته ومغروسـة في شعوره ومخلوطـة بدمـه وممزوجة بعصبه، فإن ضل عن إدراك تلك الحاجة كان شـقاؤه حتميا وكانت حـيرته لزاماً، وكان فقـدانه للاستقرار قدرا، ولم يك بإمكانه أن يتملك فـرقاناً يتبين به خطأه من صوابه.

لقد وضحت السورة الكريمة مدى خسران المشركين الذين جعلوا لله أندادا يزعمون افتراء أنهم ينازعونه في خلقه، ويشاركونه في حكمه؟ ألا ساء ما يحكمون! إنه انتكاس الفطر وسقم العقول، إذ كيف يكون للخالق ندا محدثا فانيا محدودا عاجزا، و هو جل شأنه الرب الأعلى، الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء. ذو المشيئة المطلقة، والقدرة القاهرة، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؟.

هكذا قدمت السورة عقيدة التوحيد بطريقة منطقية تحج الخصوم ومنهج عقلي يفحم الأعداء، فشملت في إبطالها مختلف شبه المشركين، واختصت كل نوع من عقائدهم بالردود التي تناسبه، فاستهلت بأن الحمد كله لا يستحقه إلا الله، للرد على حامدي الأصنام فيما تخيلوه من إسدائها إليهم نعما ونصرا وتفريج كربات، كما قال أبو سفيان يوم أحد:"اعل هبل لنا العزى ولا عزى لكم" [21]. والواقع أن الأصنام لا تستحق أي نوع من الحمد، ولذلك عقبت جملة الحمد على عظيم خلق الله تعالى بجملة {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} . في بيان واضح لدحض ما هم عليه من اعتقاد، وإزهاق ماهم عليه من باطل، وإعلان صريح لقيام هذه الشريعة المباركة على التوحيد، الذي تتأسس عليه حقيقة الإسلام وتنبني عليه رسالة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.

لقد أصّلت السورة ما لتلك العقيدة من أثر على جميع الاعتبارات الدينية والدنيوية، وتدرجت بالفكر من كيفية نشأة الكون، ومراحل خلقه تثبيتا للنبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة إعراض قومه عنه وتفنيدهم لرسالته، وترسيخا لثبات النبي صلى الله عليه وسلم ذاك وتسلية له أوردت السورة طرفا من قصة إبراهيم مع أبيه وقومه؛ لتجلي حكمة إرسال الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، ،وأنها الإنذار والتبشير وليست إخبار الناس بما يتطلعون إلى علمه من المغيبات.

كما بينت السورة حقيقة التقوى وأنها لا تكون بحرمان النفس من الطيبات، وإنما بإلجامها وصدها عن المحرم من الشهوات التي تحول بينها وبين الكمال الخلقي والتزكية الوجدانية، وفي هذا أكدت السورة أن منهج القرآن في عرض ميزان التفاوت ومعيار التفاضل بين الناس قائم على التقوى ومستوى التطبيق والانتساب إلى دين الله تعالى، وأبطلت في إطار ذلك ما شرعه أهل الشرك من شرائع الضلال؛ لتبين أن المنة على هذه الأمة عظيمة بما أنزل الله عليها من هدي القرآن ودين الإسلام وما منحها الله من مضاعفة الحسنات، وما فضلها به جل ذكره من جعله لها خاتمة الأمم الصالحة.

أهم محاور السورة:

"قال المشركون: يا محمد خبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها قال : الله قتلها قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الكلب والصقر حلال وما قتله الله حرام، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال عكرمة: إن المجوس من أهل فارس لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش وكانوا أولياءهم في الجاهلية وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال وما ذبح الله فهو حرام فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء [22] ، على مثل هذه الشبه والترهات التي طفق المشركون يثيرونها في وجه في محمد صلى الله عليه وسلم تمحورت جوانب كثيرة من السورة الكريمة.

- المحور الأول: خاطبت سورة الأنعام الوثنيين الجاحدين لألوهية الله تعالى، فأفاضت في إقامة الدلائل والبراهين على قدرته ووحدانيته {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}، ثم ثنت بذكر شهادته تعالى على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}، وثلثت بموقف المنكرين للقرآن المكذبين للوحي {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي أذانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إذا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}، وذكرت ما يؤول إليه أمرهم من الحسرة الشديدة والندامة القاتلة يوم القيامة {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيات رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}، وكذلك تكون نهاية كل متعصب للباطل جامد على الضلال مقاوم لكل صيحة تحرر من أغلال الخرافة.

- المحور الثاني: تميزت سورة الأنعام بكثرة التقريرات والتلقينات لاستنقاذ العقول من مهاوي الإلحاد ومهابط الخرافة {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، واعتمدت أسلوب تبيان المرض {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ}، وأما الكافرون فهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ولا يستجيبون { وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، فلم يغب أبدا عن كبراء المشركين أنه الحق ولكنهم كانوا يخدعون جماهيرهم لحفظ امتيازاتهم {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيات اللّهِ يَجْحَدُونَ}، وكشفا لما تعلقوا به من شبه في مهيعهم ذلك تورد السورة متعلقهم {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}، ثم تأتي بالرد المفحم الذي يتناسب معه {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}، وهكذا وعلى هذا النمط يتواصل أسلوبها في ذكر الشبهة وإبطالها بما لا مزيد عليه، فحين بينت أن إعراض المشركين عن القرآن وعن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم منشؤه ظلمات الجهل التي يتخبطون فيها {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ}، بينت أن النذارة بالقرآن إنما يستفيد منها أهل الخشية والإيمان {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.

- المحور الثالث: لقد وردت كلمة {قل} أربعاً وأربعين مرة إسعافاً من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم للرد على مخالفيه كسباً للمعركة الدائرة بين الحق والباطل، تقريرا لأمر النبوة، وتبيانا للدلائل الدالة على وجود الصانع، وكمال علمه وحكمته وقدرته، تنبيهاً على أن المقصود الأصلي من جميع المباحث العقلية والنقلية، وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله برهانا على وجوده ووحدانيته، وإرشادا إلى معرفة صفاته القدسية، في كمال علمه، وجليل قدرته، وعظمة سلطانه، وسابغ جلاله، إنها صفات الكمال والجمال تعانقها آيات العظمة والجلال، تتراءى عيانا في خلقه البديع لذرات الكون وعلمه المحيط بكل شيء {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}، وتتماثل للناظرين في نعمه الجليلة على العباد بإنجائهم من الشداند {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَاذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}، وترفع معالمها قدرته جلت عظمته على الانتقام ممن خالف أمره وعصى رسله عليهم السلام {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}.

-المحور الرابع: لقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بهجر مجالس السوء {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، وقد تكرر الأمر بهذا الهجر {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}، وبعد ذلك التحريض على مجافاة مجالسة الجهلة المغرورين ترفعا عن المشاركة في العبث والخوض في اللغو تعود الآيات إلى ذكر جانب من الحجج الدامغة، الدالة على التوحيد وبطلان عبادة الأوثان، ثم تحلق بعيدا عن الواقع المعقد مختزلة ضغثا من القرون لتغوص في أعماق التاريخ لتصل إلى قصة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام مع عباد الكواكب {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ... فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ}؛ لإقامة الحجة على مشركي العرب، في تقديسهم الأصنام وعبادتهم لها، لقد بشر إبراهيم عليه السلام بالتوحيد الخالص، الذي يتنافى مع الإشراك بالله {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، لقد ظلت جميع الطوائف والملل معترفة بفضل إبراهيم وجلالة قدره {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، ثم ذكر شرف الرسل من أبناء إبراهيم عليهم الصلاة والسلام جميعا، لتأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهديهم الكريم {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}، أمرا لأمته بمواصلة الائتساء والاهتداء؛ لأن أمره صلى الله عليه وسلم أمر لنا، لأنه قدوتنا وأسوتنا.

-المحور الخامس: لقد دأب الكفار منذ الجاهلية الأولى إلى العلمانية المادية في واقعنا المعاصر على التشكيك في الله تعالى ورفض رسالاته {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ من شَيءٍ}، فكان القرآن ولا زال يواجههم بدلائل التوحيد في خلق الإنسان، والحيوان، والنبات، وفي خلق السموات والأرض، ويعدد لهم آلاء الله تعالى ونعمه المشهودة على خلقه، ويسرد لهم الأمجاد الإلهية في صورة تقارير حاسمة { إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى.....فَالِقُ الإِصْبَاحِ.....وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا.....وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ.....وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ......إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، ثم بيّن تعالى دلائل النبوة والبعث بياناً شافياً قاطعاً للعذر ليأمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالاستمساك الوحي والصفح إعراضا عما يثيره المشركون {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}، ورفض الاستجابة لما تطلبوه من آيات وخوارق لأنها لن تزيدهم إلا عتوا وطمس بصائر رغم أيمانهم على زعمهم الإيمان إن جاءتهم {وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الاَْيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، فمن عميت بصيرتهم ولو جمعت لهم الآيات من إنزال الملائكة، وإحياء الموتى وتكليمهم، وحشر السباع والدواب والطيور وشهادتهم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ما ولج الإيمان لهم قلبا، لتأصلهم في الضلال وتماديهم على الطغيان {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ}.

- المحور السادس: لقد بينت هذه السورة المباركة أن المشركين اختلقوا شرائع يتحاكمون إليها وابتدعوا عبادات يزاولونها ما أنزل الله بها من سلطان {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}، وهكذا واقع كثير من المنتسبين إلى الإسلام في انحرافهم يتواضعون على أمور ثم يضيفونها إلى الدين ويجعلونها من صميمه ويتمسكون بها ويتهاونون بما هو من أصل الشريعة، ولهذا انقسم البشر بهذا الوحي إلى فريقين: مهتد، وضال {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فالذين التزموا الإيمان وطبقوا مستلزماته أمرا ونهيا شرح الله صدورهم للإسلام، وأنار قلوبهم بالقرآن فآمنوا واهتدوا {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ}، وأما الذين اتبعوا أهواءهم وساروا بقيادة الشيطان فقد ضلوا وغووا {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ}، ورغم هذا التباين فإنهم سيحشرون إلى ربهم جميعا يوم القيامة للحساب، لينال كل جزاءه العادل على ما قدم في الحياة الدنيا {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا...}.

- المحور السابع: للقد شددت السورة الكريمة على ضرورة معرفة الوظيفة الحقيقية والمسلك المناسب بعد نزل هذا القرآن الكريم { وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، خلافاً لما استمرأه المشركون من تحريمهم لأشياء مما رزقهم الله {وَقَالُواْ هَاذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَاذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ}، وبعد أن حكت الآيات طرفا من قبائحهم الشركية وجرائمهم في قتل الأولاد خشية الفقر ووأد البنات خوف العار واستباحة المحرمات وتحريم المباحات ذكرت ما امتن الله تعالى به عليهم من الرزق، الذي تصرفوا فيه بغير إذنه تعالى، افتراء منهم عليه واختلاقا {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}، لكن هؤلاء الكفار بما جبلوا عليه من الخصومة واللجاج يسيئون الأفعال ثم يتملصون منها احتجاجا منهم أن المشيئة الإلهية هي التي ساقتهم إلى الشرك وعدم الإيمان {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا}، وهذا أيضا من جملة كذبهم وبهتانهم وافترائهم على الله تعالى.

-المحور الثامن: لما ذكر تعالى ما حرمه الكفار افتراء عليه، وذكر ما أباحه تعالى لهم من الحبوب والفواكه والحيوان {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ.....وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا}، ذكر ما حرمه تعالى عليهم حقيقة من الأمور الضارة {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}، مبينا أن التدين الفاسد إنما تحمله غباوة توهم أنه مبني على الغيب، الأمر الذي تذرع به المشركون في الجاهلية {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا}، ، وهو ما يتذرع به كثير من المنحرفين في حاضرنا؛ ولهذا جاء رد القرآن على هذه الفئة مباشرا وصريحا {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}، وتثبيتا للمنهج وإقامة للحجة وتحصينا من ذلك الشرك وتخليصا من الترهات جاءت الوصايا العشر التي اتفقت عليها الشرائع السماوية كاملة في معقوليتها {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، مهيجة للتدبر والتذكر {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، قائدة إلى التقوى والاستقامة بعيدا عن الأهواء والبدع والخزعبلات {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، إنه بالتطبيق العملي لهذه الوصايا تكمل سعادة البشرية، ذلك أنها جمعت كل فنون الصلاح وكافة سبل النجاح.

- المحور التاسع: في ختام السورة كان النبز شديدا والوعيد مخيفا لرعاة الفرقة ودعاة اتخاذ الدين أشلاء تفاريق {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}، لتبي أن المؤمن الحق هو ذلك يكون عبدا لله في حياته كلها، وتقدم السورة لذلك نموذجا فريدا تمحض لله تعالى عبادة ونصحاً ودعوة، إنه محمد صلى الله عليه وسلم بمنهجه الناجع وسيرته العطرة وسنته الشافية من كل أمراض الشبهات والشهوات، ذلك المنهج القائم على نقاء العقيدة {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، وإخلاص العبادة {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، والعمل بعدالة الجزاء {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}.

من هدايات السورة:

- هكذا سميت سورة الأنعام لقيام عقائد المشركين في تقربهم لأصنامهم على تلك الأنعام حية وميتة؛ وهذا يتطابق مع تمحورها حول كشف جهالات المشركين وإظهار زيف ما شاع بينهم من ضلالات، لتجلية الحق، وإبراز نعمة الله تعالى على عباده بالرسالة، القائمة على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إن الحقيقة التي يدركها كل عاقل أن تلك الرسالة ضرورة للخروج من براثين الجاهلية في صورها كافة، ذلك أن النجاة من السفه الأخلاقي والسخف العقدي لا تكون إلا بالتوحيد الخالص لله الواحد القهار، ولقد بينت السورة بالحجة القاطعة والبرهان الساطع والدلائل الدامغة القواعد الكبرى لذلك التوحيد، لإقناع أهل مكة ومن على شاكلتهم من المشركين بالإيمان بهذا القرآن ونهج سبيله، عبر أسلوبي التقرير والتلقين في ترتيب متقن وتسلسل محكم، فتكرر في طياتها فعل الأمر {قل} اثنتين وأربعين مرة، كما تكرر في ثناياها الضمير {هو} ثمانا وثلاثين مرة، إشعارا بأن تلك التقريرات لا تقبل المجادلة ولا الطعن لأنها ثابتة حسا ومعنى.

- سورة الأنعام هي أول سورة مكية في ترتيب المصحف، وهي أول سورة ابتدأت بالحمد {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}، فجاءت مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين، يقول الإمام القرطبي: "إن هذه السورة أصلُ في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذّب بالبعث والنشور" [23]، وهذا ما اقتضى إنزالها جملة واحدة، ونزولها ليلاً لما في هدوء الليل من سكينة للقلب ومناسبة للتأمل وداع للتفكر في قدرة الله تعالى وإعجاز هذا القرآن وعظمته، ولهذا اشتملت السورة على كافة القضايا الأساسية للعقيدة وكامل القواعد الكبرى لأصول الإيمان، فعرضت الأدلة المتعلقة بتوحيد الله تعالى، والحجج المقنعة على وجوده، والبراهين المظهرة لقدرته، والوقائع المبينة لعظمة سلطانه وبينات خضوع الكون كله لقهره، أوردت السورة ذلك على شكل مسلمات لا يماري فيها قلب سليم ولا يعارضها أو يعرض عنها عقل راشد، فلا أحد ينازع أنه تعالى المبدع للكائنات، وأنه جل شأنه وحده صاحب الفضل والإنعام، وأنه جلت عظمته وحده الخالق المدبر الحكيم، لقد تواردت تلك المسلمات في تصوير قرآني فني بديع، يستشعر القارئ معه عظمة الله وقدرته، كأن الآيات مشاهد حية تعرض أمام عينيه. تلقنه حجة الإيمان بالله تعالى ليقذف بها في وجه خصمه المشرك، فيحاصر بها سمعه ويملك عليه بها قلبه فلا يستطيع التخلص من الإذعان لها ولا يجد مناصا من الإيمان بها، ذلك ما قدمته السورة في أسلوب استقرائي رصين، يرافق كل سؤال فيه جوابه، تربية للمسلمين على أرقى أساليب مناقشة المشركين وإفحامهم بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة التي ترفع أعلام الحق وتقصم ظهر الباطل.

- ما فتئت سورة الأنعام تبين منهاج الدعوة الإسلامية، وتقرر حقائقها وتثبت دعائمها وتحاجج المعارضين لها بطريقة المناظرة والمجادلة، داعية إلى توحيد الله جلّ وعلا في الخلق والإيجاد، وتأليهه في التشريع والعبادة، مذكرة بمواقف المكذبين للرسل عليهم الصلاة والسلام، قاصة عليهم ما حاق بأمثالهم السابقين، ومذكرة بمآلاتهم يوم البعث والجزاء، هكذا تتدرج آيات السورة في متتالية عجيبة؛ فحين تسرد أنماطا من الإعجاز الكوني تدليلا على قدرة الله تعالى، ما تلبث أن تتبعه بفصول من صور الحجاج والمجادلة، لتردف الجميع بفواصل تثبت للمتلقي وضوح آيات الله تعالى في الكون وأنها مرئية معاينة ولكن القلوب إذا عميت لم تر الشمس؛ بل تجحدها وتكفر بها {قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظْ}، وفي هذا الإطار تقدم السورة قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع قومه مثالا حيا يناسب تثبيت أسلوب الحجة وإقامة البرهان وعرض الأدلة عند مواجهة المشركين والملحدين {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ...}، وتمشيا مع نفس السياق درجت السورة حتى نهايتها على إقناع المتلقي بتطابق أسباب الهداية والسعادة في كل الرسالات الربانية، مبرهنة على ذلك بالوصايا العشر التي نزلت في سائر كتب المرسلين ودعوا إليها جميعا {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ...........ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وهكذا تختتم بالكشف عن مهمة الإنسان في هذه الحياة؛ إنها خلافة الله تعالى في أرضه لعمارتها عبر أجياله المتعاقبة، المؤهلة بما أودع الله تعالى فيها من تفاوت المواهب لتلك المهمة، إن مهمة الاستخلاف هذه إنما رتبت لغاية سامية وحكمة عظيمة، تتأسس على ابتلاء البشر في مستوى العزم للوفاء بمقتضيات العبودية واختبارهم في مدى القيام بتبعات المسؤولية {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}.

- لم تك تسمية السورة بالأنعام لمجرد ورود كلمة الأنعام فيها، وإنما لذلك أسباب أخرى تتبوؤها مكانة الأنعام عند قريش والعرب جميعا؛ حيث كانت مصدر أكلهم وشربهم وسائر دروب رزقهم ومواصلاتهم وثرواتهم، فهي عصب حياتهم وكل شيء بالنسبة لهم، ولم يكونوا مستعدين لدمجها ضمن مضمار العبودية؛ بل كانوا يرون أن حرية التصرف في الأموال لا تتنافى مع التأله والعبادة، لكن لوازم العبودية ومقتضيات البيعة المأخوذة في الذر تطال كل حياة الإنسان عقيدة وعبادة وخلقا ومعاملة. لم توجه السورة هذا الكلام لكفار قريش وحدهم، وإنما قدمته توجيها عاما لسائر الناس الذين تأتي تطبيقاتهم منافية لمعتقداتهم في سائر العصور، فكلمة "لا إله إلا الله" لها مقتضى اعتقاديا كما لها مقتضى تطبيقيا، يستلزمان معا أخذ الدين كاملاً دون اجتزاء، فذلك هو متطلب الإيمان بالله‏ تعالى‏ خالق السماوات والأرض‏,‏ وجاعل الظلمات والنور‏,‏ المكون للإنسان من طين‏,‏ المحدد لأجل كل مخلوق‏,‏ الباعث لجميع الخلائق بعد إفنائهم‏,‏ المستأثر وحده بعلم الغيب‏.‏ فمن هذه صفاته حري بأن يؤله وحده، فهو الخالق العظيم للسماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ يعلم السر والجهر‏,‏ ويعلم ما تكسب كل نفس‏,‏ {وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم‏},‏ إنه‏(‏ سبحانه‏)‏ يطعم ولا يطعم‏,‏ وهو (سبحانه)‏ {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ....}، هكذا جمعت السورة الكريمة من صفات كمال الله تعالى ما لا مزيد عليه، فقد أبلغت القول في كمال عظمته وكمال قدرته {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. لقد ذكر سبحانه في هذه السورة الكريمة خلقه لسائر المخلوقات؛ فهو سبحانه من خلق الحيوان، وخلق النوم واليقظة، وخلق الموت والحياة، وخلق الشمس والقمر والنجوم، وهو سبحانه من فلق الإصباح، وفلق الحب والنوى، وهو سبحانه من أنزل الماء، وهو سبحانه من أخرج النبات والثمار بأنواعها، وهو سبحانه من أنشأ الجنات المعروشات، وغير المعروشات، وهو سبحانه من جعل الأنعام حمولة وفرشًا.

- ما أقبح الجاهلية وأشنع أفعال الجاهلية وما أقسى قلوب أهل الشرك، ذلك ما تبينه السورة الكريم من خلال نقل بعض مجريات أحداث ذلك الواقع الأليم، فعن عكرمة في تفسير قوله تعالى " {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} قال: نزلت فيمن كان يئد البنات من مضر وربيعة، كان الرجل يشترط على امرأته أنك تئدين جارية وتستحيين أخرى، فإذا كانت الجارية التي توءد غدا من عند أهله أو راح وقال: أنت علي كأمي إن رجعت إليك لم تئديها، فترسل إلى نسوتها فيحفرن لها حفرة فيتداولنها بينهن، فإذا بصرن به مقبلا دسسنها في حفرتها وسوين عليها التراب" [24]. إن فعلهم هذا "سفه محض، أي سفه أعظم من إضاعة مصالح جمة وارتكاب أضرار عظيمة وجناية شنيعة، لأجل التخلص من أضرار طفيفة قد تحصل وقد لا تحصل" [25]. لكن ذلك على فظاعته غير مستغرب ممن استهونوا أبشع الظلم الذي هو الشرك بالله‏ تعالى,‏ فحين يظلم الإنسان خالقه ورازقه والمتفضل عليه بكل الآلاء والنعم ويجعل له شركاء من الجن أو الإنس‏,‏ أو ينسب إليه الزوجة أو الولد، فإن مثل هذا لا تستغرب منه فظاعة ولا تستنكر منه شناعة، لكن المذهل من أمر هؤلاء المشركين أنهم سوف يسألون عن شركهم‏‏ يوم القيامة فيتنصلون منه ويحاولون إنكاره‏، ومع هذا لا يرعوون رغم نصاعة الحق وظهوره؛ ‏ بل يستمرئون الافتراء والكذب على الله‏,‏ و التكذيب بآياته، فلا تنفعهم معجزة ولا تردعهم نذارة.

- لقد توعد الله تعالى المشركين بما ينتظرهم من عذاب شديد‏,‏ جراء ما كانوا يقولون عليه جل وعز من غير الحق‏,‏ وجزاء استكبارهم عن آياته‏,‏ وفي إطار ذلك تذكرهم السورة الكريمة بمعادهم إلى الله فرادى كما خلقهم أول مرة‏,‏ تاركين وراءهم ما كان الله‏ تعالى‏ قد وهبهم من متاع الحياة الدنيا‏,‏ مفصولين عن شركائهم الذين كانوا يجعلونهم لله تعالى أندادا‏,‏ مننقطعين عن أي نوع من الاتصال بهم‏ { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}، فما أقبح عاقبة الكذب على الله تعالى وما أظلم الكاذبين، وما أقبح الاستكبار وما أعظم جرم المستكبرين، وما أشد ما ينتظرهم من عذاب القبر وخزي المبتعث يوم الجزاء على الكسب، حين ينعدم الشفعاء وتتطاير الصحف، وقبل ذلك في الدنيا عند معالجة سكرات الموت وشدتها، ""إن للموت سكرات"" [26]. إنه الخسران المبين الملازم لكل كافر بربه غير مؤمن به {الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، وقد تبين أن سبب هذا الخسران التكذيب بلقاء الله تعالى وعدم الإيمان برسالاته، فكل من أدمنوا الشرك، ولم يستسلموا لرب العالمين كان حليفهم ذلك الخسران، إذ لم تنقذهم عقولهم المزعومة ولم ينفعهم ما كانوا يشاهدونه ويلحظونه من آيات تدل على العليم الخبير، فالناظر بعقل وتدبر لتقلبات نفسه في هذه الحياة يدرك بسهولة ما يجره إلى الإيمان، ففي النوم بوصفه صورة مقربة للوفاة‏,‏ وفي اليقظة بوصفها صورة مقربة للبعث‏ ما فيه كفاية للدلالة على مدبر هذا الكون وخالقه. وما فيه مقنع للإيمان بالبعث والنشور.‏


- {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ}، بهذا التلقين الهادئ والتعليم المستمر يسهل على محمد صلى الله عليه وسلم أداء رسالته، بهذا التسديد الرباني والتوجيه الإلهي تخف أعباء وتنزاح صعوبات، فيسير النبي صلى الله عليه وسلم بخطى ثابتة ودعوة على بصيرة وجلد وصبر على تعنت المشركين وجلافتهم، ويقدم رسالته معززة بحقائق تتراءى بوضوح من خلال التقريرات والتوجيهات المباركة لهذا القرآن الكريم؛ إذ تتعالى مظاهر قدرة الله تعالى ومعالم علمه وكمال حكمته جل وعلا، فهو جل شأنه المستأثر بعلم الغيب، وكتابة المقادير حتى سقوط الورقة من الشجرة، وهو مع ذلك المنجي من الكروب، الواقي من المهالك، الذي لا أمل حتى للمشركين في أحد غيره، فعند ركوب البحر وغشيان ظلمة السحاب والليل الداجي والبحر المتموج واضطراب النفوس واشتداد الخوف، لا يسألون سواه؟ {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، فلا برهان أعظم على بطلان الشرك من أن المشركين يخلصون الدعاء لله تعالى في الشدة، لكنهم يستنكفون عن الإيمان ويتناسون ما كانوا فيه من كرب، وهنا تواجههم الآيات ببأس الله الذي قد يأخذهم بعد النجاة! فما هي مرة وتنتهي، ثم يفلتون من القبضة كما يتصورون {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}، ومع ذلك فلا يظن أولئك الكفار أنه جلت عظمته حين يمهلهم ويفتح عليهم أبواب كل شيء قد غفل عنهم أو رضي بشركهم، كلا إنما هو الابتلاء والاستدراج ثم الهلكة {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، فلما أنذرهم بتوقع العذاب أعقبه بالاستشهاد على وقوع العذاب بأمم سابقة، ليعلم هؤلاء أن تلك سنة الله في الذين أشركوا، ويواكب المؤمن ذلك الإهلاك بحمد ربه جل شأنه على تطهيره للأرض من المفسدين.

قصة وهدف:

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)}.

إنها قصة رائعة باهرة رسمها السياق القرآني في هذه الآيات لتبين حقيقة الفطرة وهي تستنكر - للوهلة الأولى - عقائد الجاهلية في الأصنام وتستصغرها. ثم تنطلق بعد أن نفضت عنها غبار الخرافة في شوق عميق ووله دافق بحثا عن إلهها الحق، الذي تجده في ضميرها، ويتعلق به وجدانها في لهفة مكنونة، وعزم مشبوب يحدوه كل ما يمكن أن يوصل إلى هذا الإله! إنه مشهد رائع باهر يتجلى في قلب إبراهيم - عليه السلام – وهو يجتاز التجربة الكبرى في قصة الفطرة مع امتحان الاختيار بين الحق والباطل، إنها قصة المؤمن وهو يصدع بعقيدته ولا يخشى فيها لومة لائم؛ ولا يجامل على حسابها أباً ولا أسرة ولا عشيرة ولا قوماً، إنه الانسجام المطلق بين الوحي والفطرة السليمة، والبصيرة المفتوحة؛ الذي به يتم الخلوص إلى الحق، وإنكار الباطل، والذي بمستوى القوة التي تدفعه يكون انتهاج مسلك إبراهيم عليه السلام [27] ، لقد أدرك إبراهيم حقيقة ملك السماوات والأرض واضطلع على كثير من الأسرار المكنونة في صميم الكون، واكتشف كثيرا من الآيات المبثوثة في صحائف الوجود، وأقام الصلة بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب.ذلك هو المسلك النجاء الذي ينجو سالكه، وتلك هي المحجة البيضاء التي يسعد بها كل من التزمها.

وبالجملة فقد احتوت القصة ضغثا من الأهداف، نذكر منها:

الاولى: قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً}، إنه السؤال الاستنكاري التقريعي عن كيفية استساغة اتخاذ الجماد إلها، مع أن الإله هو المعبود بحق، وتلك هي أعلى الغايات عند البشر؟؟؟ وهذا أعجب وأبعد عن العقل من جعل الحمار قاضياً؛ لأن الحيوان أكمل من الجماد.
الثانية: القدح في هذا المعتقد وإظهار بطلانه بكل المقاييس من جهة احتقارهذه المعبودات، ومن جهة الاستخفاف بعقول تجعل من مثل تلك الجمادات آلهة. وكذلك ينبغي أن يكون المؤمنون في وضوح التصور، ولزوم الصدع بالحق، وعدم الاكتفاء بالمخالفة: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
الثالثة : استقراء البراهين واستخلاصها من المشاهد الكونية الدالة على حتمية خالق للخلق من غير جنسه متصف بصفات الكمال، {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فإن ذلك من أعظم الأ دلة بديهة على وجود الله تعالى وبديع صنعه وكمال قدرته.

الرابعة : أن إقامة حجة تهافت الباطل دالة على صدق الحق مورثة لليقين به {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}.

الخامسة: أن المعبود لا بد أن يكون حيا باقيا بلا زوال {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}.

السادسة: تعلق إبراهيم بربه لنيل الهداية والتوفيق لها، وإيمانه أنه لا ترجى الهداية من سواه. بل المتعلق بغيره منتهاه إلى ضلال {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}.

السادسة: إعلانه براءته من الشرك ومعتقدات المشركين {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. وكذلك أتباع ملته من هذه الأمة المباركة.

السابعة: تأليهه وتوجهه إلى خالق السماوات والأرض المستحق وحده للعبادة والتعظيم، وتأكيده ميلانه عن الشرك، والبراءة من صف المشركين {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

الثامنة: شجاعته في ذات الله تعالى وبعده عن المداهنة؛ إذ صرح لقومه بما يعتقد من الحق ولم يدارهم مع كثرتهم ووحدته {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ}، وكذلك منهج المرسلين وأتباعهم.

التاسعة: وجوب مجادلة المبطلين والمشركين وتعرية ضلالهم لإقامة الحجة عليهم لعلهم يهتدون، ولنفي مخاطر شبههم عن الناس. {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}.

العاشرة: بيان ضلال أهل الشرك وزيغ عقولهم وتشابه نحلهم وجراءتهم على الله جل وعز وأمنهم لعقوبته في كل زمان ومكان {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}..

الحادية عشرة: الطمأنينة والسعادة إنما تكون لأهل التوحيد والإيمان، فهم أحق العباد بالأمن، وكذلك كل من آمن بالله ولم يشرك به شيئاً {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
الثانية عشرة: علو منزلة إبراهيم عند الله تعلى وتعظيمه سبحانه لما وهبه من الحجة، التي أضافها جل شأنه إلى نفسه إضافة تعظيم وتشريف وتنويه، فهو المنعم بها على إبراهيم وناصره بها على قومه {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. وكذلك يرفع الله درجات المؤمنين العالمين بدلائل التوحيد الداعين إليه، النافين للشبه عنه المقيمين لحججه المدركين لحكمة الله تعالى المعتقدين لكمال صفاته جلت عظمته.

من الآيات الكونية في سورة الأنعام‏:‏

لقد أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الكتب لهداية الناس، وكذلك ذكر الحقائق العلمية في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لا للتسلي ولا للتفكه، وإنما للاستدلال على عظيم قدرة الله تعالى وجميل صنعه في خلقه، وواسع رحمته بعباده، إضافة إلى نصب الآيات على وجوده تعالى ووحدانيته، الأمر الذي تحتاجه البشرية لاستنتاج البراهين المقنعة والدلائل الجلية المثبتة لضرورة الإيمان به جلت عظمته، تلك الدلائل والبرهين التي تتناغم مع الفطرة البشرية الأصيلة، والتي فطر الله تعالى عليها هذا الوجود لاستنقاذهم من إضلال إبليس لأكثرهم حتى صاروا مضلين {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّه}، قد ضلوا لأنهم يتدبروا تلك الآيات، فلم يعرفوا الله تعالى حق معرفته، ولم يعظموه تعالى حق تعظيمه {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}، فجاء هذا الإعجاز الهائل في الآيات المقروءة ليبرهن على تطابقها مع الآيات المنظورة، وليبين بالمعاينة أن الله جلت عظمته هو الإله الحق الذي أقام السماوات والأرض بالحق.

ومن أبرز ما ورد في السورة من ذلك:

- لقد خلق الله تعالى السماوات والأرض بالحق‏,‏ وفطر الخلائق وأنعم عليها بجعل الظلمات والنور‏ {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}، فالظلمات تستركم وترتاح فيها أبدانكم وقلوبكم، وفي النور تقيمون معاشكم وقوام أبدانكم وأنعامكم، فهو جل شأنه المستوجب للثناء على نعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، لإنشائه السموات والأرض وما فيهن، وخلقه الظلمات والنور، وما ينشأ عنهما من تعاقب الليل والنهار؛ مما يكفي دلالة على عظمة الله تعالى، واستحقاقه وحده العبادة.

- أن الله تعالى خلق الإنسان من طين‏، فآدم الذي هو أصل البشر ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب خلقه الله تعالى من طين، فباعتبار أصلهم فإنهم مخلوقون من طين، وكذلك الغذاء الذي هو عنصر حياتهم كله من الأرض {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ}، وفي هذا تذكير للمشركين إذ أنكروا البعث، فإن الله تعالى هو الذي خلقهم أولا، والعجيب من حال كثير منهم جمعهم بين الاعتراف بأن الله هو خالقهم الخلق الأول وامتراؤهم في خلقهم الثاني.

- الله جل جلاله مالك ما استقر في الليل والنهار من المخلوقات‏،‏ أي له كل شيء، فلا بد أن يتيقن العبد أن الخلق كلهم في قبضة الله عز وجل، وأمورهم كلها بيده، أحاط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا، فلا يتلكأ فيما أمرت به الشريعةُ وحيا من رب الأرباب {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، وهذا تذكير بأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده.

- إن الله تعالى هو فالق الإصباح بقدرته نعمة منه بالخلائق، إذ لم يجعل النور مستمرا في الأفق، بل جعله عارضا في أوقات محددة لتعود الظلمة إلى الأفق رحمة منه بالموجودات ليسكنوا بعد النصب والعمل فيستجمعوا راحتهم، إشارة منه تعالى إلى الحركة الدائبة والحياة السيارة لهذا الكون‏ {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}

- لقد امتن الله تعالى على البشر بهذه النجوم والكواكب وجعلها لهم بواصل يهتدون بها في ظلمات البر والبحر، حتى لا يضلوا طريقهم فيهلكوا ‏{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}، وليرتبوا بها مواقيت حياتهم، فهذه منة تنضاف إلى سابغ آلائه ووافر مننه على الناس، كما تمثل مظهراً من مظاهر قدرته، فهي نعمة لا يقدر على الإنعام بها سواه، فلم إذاً يكفر به ويعبد غيره؟

- بعد أن بلغ التطور التقني شأوا وصل إلى ما كانت بعض آيات هذه السورة قد صرحت به {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} إشارة إلى تناقص كل من الضغط وتركيز الأكسيجين مع الارتفاع، مما يؤدي إلي ضيق الصدر وحرجه‏، ذلك أن الإرادة الإلهية هي مصدر أي حركة ومحور أي تغيير في هذا الكون من الذرة إلى أعظم النجوم السابحة.‏

- التأكيد عل أن بالكون غيوبا مطلقة لايعلمها إلا الله‏‏ تعالى {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية" [28].

وهناك آيات كونية أخرى أختصر البحث في الحديث عنها، على الإشارة إلى بعضها، مثل:

خلق وتصنيف الحيوانات‏.‏ ‏والتشابه القائم بين النوم والموت وبين اليقظة من النوم والبعث بعد الموت‏.‏ وأن الله‏‏ تعالى‏ هو فالق الحب والنوى لحظة الإنبات‏,‏ وأنه‏‏ تعالى‏ هو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي‏.‏ والتأكيد على أن الله‏‏ تعالى‏ أنشأ الناس من نفس واحدة فمستقر ومستودع‏.‏‏ وأنه‏ تعالى هو الذي أنزل من السماء ماء فأخرج به نبات كل شيء‏,‏ فأخرج منه خضرا يخرج منه حبا متراكبا‏.‏ و‏أنه جل شأنه هو الذي خلق النخيل‏,‏ وخلق طلعها وهو أول ما يبدو ويخرج من ثمرها كالكيزان‏,‏ وخلق قنوانها‏,‏‏ وخلق جنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها‏,‏ وغير متشابه وجعل بعض هذه الجنات معروشات وبعضها الآخر غير معروشات‏.‏‏وقد أكدت كثير من آيات السورة على حقيقة الخلق‏,‏ وعلى أن الله‏ تعالى‏ هو خالق كل شيء‏.‏

الخاتمة:

تعتبر سورة الأنعام ممثلة بحق للقرآن المكي الذي يعرض العقيدة ناصعة ممارسة ومحاجة، فهي أولى سورة في هذا المنهج وأوفاها، حيث بسطت الحُجّة على عظمة الله تعالى وبديع صنعه وكامل قدرته، وأقامت الدليل على وحدانيته عز وجل وألوهيته، فهي من نوادر السور الطويلة التي نزلت جملة واحدة، وقد احتضنت جملة من الرموز والإشارات للدلالة على أن العقيدة محورها الشامل، من ذلك:

- تكرار لفظ الجلالة فيها نصف مرات عدد آياتها، يعني 87 مرة في حين أن عدد آياتها يناهز 165آية.

- تعدد فعل الأمر {قُل} في ثناياها؛ حيث ذكر فيها 44 مرة، فكانت أكثر سورة في القرآن تردد فيها هذا اللفظ {قُل} ، أمرا للرسول صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده أن يبلّغوا ما فيها من عقائد وحِكَم وأحكام.

- ورود كلمة "الرب" فيها عدة مرات؛ حيث تكررت فيها أكثر من 50 مرة.

- تكرر مشتقات مادة النظر والإبصار والرؤية فيها مرات عديدة؛ حيث جاءت متكررة في ثناياها أكثر من 44 مرة.

فهذا الكم الهائل من الكلمات المكررة بأعداد تجاوزت العشرات ينبئ عن رمي حثيث إلى إثبات مصطلحات عقدية، وترسيخ مفاهيم إيمانية، وإعداد بيئة منهجية لايكاد قارئ السورة أن ينهيها حتى تترسخ لديه مفاهيم جديدة ويتكون عنده معجم مصطلحات ويتضح له سبيل المحجة، وقد تعززت هذه الجوانب في السورة برديء من القصص التي طفقت السورة تسرد بعضها، كما هو الشأن في محاجة إبراهيم لقومه، وتشير إلى بعضها الآخر إشارات عابرة، متبعة إياه بكوكبة من المرسلين تثمينا للاقتداء والائتساء. وتنويها بعظمة منة الله‏ تعالى بهم لهداية البشرية قبل بعثة خاتمهم‏‏ صلى الله عليه وسلم.

لكن تركيز السورة الأكبر كان على الحياة الدينية في العهد الجاهلي، حيث تعرضت لطرق الجاهليين في التقرب إلى آلهتهم، وما يرافق ذلك من تحريم وتحليل غير خاضع لمنطق عقل ولا دين، كما هو حالهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

كما لم تهمل الجانب التشريعي، حيث ذكرت أعظم جانب منه في الوصايا العشر، كالنهي عن الشرك جملة وتفصيلا والنهي عن عقوق الوالدين‏.‏ وعن‏ قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏.‏ وأكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده‏. والوفاء بالكيل‏,‏ والميزان بالقسط‏,‏ واجتناب المحرمات‏.‏ ووجوب الصدق في القول‏,‏ والإخلاص في العمل‏,‏ والوفاء بعهود الله‏ تعالى.‏ ولزوم‏ الابتعاد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏. ووجوب‏ التزام صراط الله المستقيم، ‏‏وقبل ذلك ذكرت تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏ والميتة‏,‏ والدم المسفوح‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ إلا لمن اضطر غير باغ ولا متجاوز حدود الاضطرار.

‏ كما حثت على إقام الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة، وأمرت بتقوى الله‏ تعالى‏ في كل الأحوال‏.‏ واختتمت بتعريف موجز يبين طبيعة الحياة الدنيا من النشأة إلى النهاية وما يتخلل ذلك من ابتلاء، تقوم حيثياته على امتحان استخلاف الله تعالى لعباده في أرضه، وتنتهي وقائعه بالمعاد إلى الله جل شأنه {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.

السبت، 25 يونيو 2011

............................................................مامعنى : اللهم صلي على سيدنا محمد؟


قال الشيخ العلاّمة المحدث محمد ناصر الدين الألباني في كتابه
" صفة صلاة النبي صلى الله عليه و سلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها " ص 165:

أول ما قيل في معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم قول أبو العالية:
(صلاة الله على نبيه : ثناؤه عليه و تعظيمه . و صلاة الملائكة و غيرهم عليه :
طلب ذلك من الله تعالى ، و المراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة )
انتهى كلام الشيخ الألباني رحمه الله .

* * * * * * *
فهل لك أن تتصوروا أنكم تطلبوا من الله عز و جل أن يزيد في الثناء الحسن على النبي عليه الصلاة و السلام في الملأ الأعلى؟؟ و هل تعلموا ما هو ثواب ذلك؟؟

الجواب
هو أن الله سيذكرك بالثناء الحسن في الملأ الأعلى عشر مرات !!
يا الله !!
ما أعظم هذا الشرف ! تأملوا
من يذكرك؟
و أين؟
و عند من؟
و كم مرة؟
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً ) رواه مسلم.

* * * * * * *
و هل تعلموا أن اسمك يُعرَضُ على نبينا صلى الله عليه و سلم عند صلاتك عليه؟؟

قال ابن القيم رحمه الله في " جلاء الأفهام " : أنها - أي الصلاة على النبي - سبب بعرض اسم المصلي عليه صلى الله عليه و سلم و ذِكْرهِ عنده .

كما قال صلى الله عليه و سلم: ( إن صلاتكم معروضة عليّ ) رواه أبو داود و صححه الألباني.
و كفى بالعبد نُبلاً أن يُذكر ببن يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم .
انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.

* * * * * * *

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

الثلاثاء، 3 مايو 2011

............................................دعاء واجب لأهل ليبيا الأحرار

قال تعالى : "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلهُمْ يَرْشُدُونَ"

وقال تعالى: "أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ".

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلمقال: «أفضل العبادة الدعاء».

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله ليستحيي أن يبسط العبد يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين».

وفي «مستدرك الحاكم» عن حديث أبي هريرة tعن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»

فاللهم لك الحمد كله وإليك يرجع الخير كله , اللهم صلي على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

اللهم يا حنان يا منان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام , يا حي يا قيوم يا غياث المستغيثين أغث إخواننا في ليبيا

اللهم يا غياث المستغيثين أغث إخواننا في ليبيا

اللهم يا غياث المستغيثين أغث إخواننا في ليبيا



اللهم عليك بالقذافي وأعوانه فإنهم لا يعجزونك

اللهم عليك بالقذافي وأعوانه فإنهم لا يعجزونك

اللهم عليك بالقذافي وأعوانه فإنهم لا يعجزونك إله الحق



اللهم إن القذافي قد خرج بخيله ورجله يريد إهلاك الحرث والنسل اللهم رد كيده في نحره واجعل الدائرة عليه , واحفظ إخواننا في ليبيا من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم ونعوذ بعظمتك أن يغتالوا من تحتهم

اللهم أبدلهم حاكما خيراً ممن طغى وبغى وبدل شرائعك وضاهى كتابك وحارب أولياءك

اللهم أبدلهم حاكما خيراً ممن طغى وبغى وبدل شرائعك وضاهى كتابك وحارب أولياءك

اللهم أبدلهم حاكما خيراً ممن طغى وبغى وبدل شرائعك وضاهى كتابك وحارب أولياءك

اللهم الطف بأهلنا في ليبيا .. اللهم احفظهم بحفظك واكلأهم برعايتك و احفظ بلاد المسلمين يا رب العالمين

اللهم انصر المسلمين في أرض المختار وحكم فيهم شرعك واكفهم شر كل طاغية جبار

ربِ انصر إخواننا وأهلنا في ليبيا و لا تنصر عليهم، ربِ ثبت أقدامهم وارحمهم..
ربِ رد كيد كل من أراد بهم السوء يا عزيز يا جبار..

اللهم تول أهل ليبيا برعايتك..اللهم احقن دمائهم ...اللهم ول عليهم خيارهم
اللهم احقن دماءهم واحفظ أعراضهم و سلم ذراريهم و أموالهم.

نسألك اللهم أن تعصم دماء المسلمين وأموالهم وأن تجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن
وان تصرف عنهم شرارهم وجميع بلاد المسلمين .

نسأل الله أن يجعل لإخواننا هناك من كل هم فرجا ومن كل ضيق ومخرجا ويحفظهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهمّ إنا نسألك السلامة لأهل ليبيا
اللهمّ بدّل خوفهم أمنا
اللّهمّ أظهر أمر الدين في أرض المختار
وولّ عليهم أخشاهم لربّهم وأتقاهم له
اللهمّ ولّ عليهم من يحكّم فيهم شرعك

اللهم احفظ المسلمين في ليبيا واحقن دمائهم وآمنهم في أنفسهم وأموالهم وول عليهم خيارهم
اللهم احفظ المسلمين في ليبيا من الفتن ما ظهر منها وما بطن
اللهم اكفهم شر الأشرار وكيد الفجار وطوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن.

اللهم احفظ المسلمين في ليبيا واحقن دمائهم
وآمنهم في أنفسهم وأموالهم وول عليهم خيارهم
اللهم احفظ المسلمين في ليبيا من الفتن ما ظهر منها وما بطن
اللهم اكفهم شر الأشرار وكيد الفجار
وطوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن.

اللهم عجل الفرج وأرح العباد والبلاد ممن خربوها وأذلوا أهلها

اللهم كن لأهلنا في ليبيا ناصراً ومعيناً
اللهم ارزقهم الأمن والأمان والسلامة والإيمان

اللهم اعصم دماء المسلمين و أعراضهم و أموالهم
اللهم خذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر

اللهم أبرم لإخواننا في ليبيا أمرا رشيدا؛ تُعِز فيه أولياءك، وتُذِل فيه أعداءك، ويُعمل فيه بطاعتك

اللهم يا حي يا قيوم يا من بيده ملكوت كل شيء أنت تعلم ما حل بإخوان لنا و وأخوات لنا فيك فمن لتلك الأعراض ومن لتلك الدماء ومن لتلك الأرواح إلا أنت اللهم احفظهم بحفظك وأمن خوفهم وأبرم لهم أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك اللهم آمين والحمد لله رب العالمين.

الخميس، 14 أبريل 2011

.............................حوار مع الشيطان لعائض بن عبد الله القرني

حاورت الشيطان الرجيم في الليل البهيم فلما سمعت أذان الفجر أردت للذهاب إلى المسجد
فقال لي :عليك ليل طويل فارقد .
قلت: أخاف أن تفوتني الفريضة
قال :الأوقات طويلة عريضة

قلت: أخشى ذهاب صلاة الجماعة
قال: لا تشدد على نفسك في الطاعة

فما قمت حتى طلعت الشمس ...
فقال لي في همس : لا تأسف على ما فات فاليوم كله أوقات

وجلست لآتي بالأذكار ففتح لي دفتر الأفكار

فقلت: أشغلتني عن الدعاء
قال: دعه إلى المساء

وعزمت على المتاب ، فقال: تمتع بالشباب !
قلت: أخشى الموت
قال: عمرك لا يفوت ...

وجئت لأحفظ المثاني
قال: روّح نفسك بالأغاني
قلت: هي حرام
قال: لبعض العلماء كلام!
قلت: أحاديث التحريم عندي في صحيفة
قال: كلها ضعيفة

ومرت حسناء فغضضت البصر
قال: ماذا في النظر؟
قلت: فيه خطر
قال: تفكر في الجمال فالتفكر حلال

وذهبت إلى البيت العتيق فوقف لي في الطريق ..
فقال: ما سبب هذه السفرة ؟
قلت: لآخذ عمرة
فقال: ركبت الأخطار بسبب هذا الاعتمار وأبواب الخير كثيرة والحسنات غزيرة
قلت: لابد من إصلاح الأحوال
قال: الجنة لاتدخل بالأعمال

فلما ذهبت لألقي نصيحة ..
قال: لا تجر إلى نفسك فضيحة
قلت: هذا نفع العباد
فقال: أخشى عليك من الشهرة وهي رأس الفساد

قلت : فما رأيك في بعض الأشخاص؟
قال : أجيبك على العام والخاص
قلت : أحمد بن حنبل؟
قال : قتلني بقوله عليكم بالسنة والقرآن المنزّل
قلت : فابن تيمية؟
قال : ضرباته على رأسي باليومية
قلت : فالبخاري؟
قال : أحرق بكتابه داري
قلت : فالحجاج ؟
قال : ليت في الناس ألف حجاج فلنا بسيرته ابتهاج ونهجه لنا علاج
قلت : فرعون ؟
قال : له منا كل نصر وعون
قلت : فصلاح الدين بطل حطين؟
قال : دعه فقد مرغنا بالطين
قلت : محمد بن عبدالوهاب؟
قال : أشعل في صدري بدعوته الالتهاب وأحرقني بكل شهاب
قلت : أبوجهل؟
قال : نحن له أخوة وأهل
قلت : فأبو لهب ؟
قال : نحن معه أينما ذهب !
قلت : فلينين؟
قال : ربطناه في النار مع استالين
قلت : فالمجلات الخليعة ؟
قال : هي لنا شريعة
قلت : فالدشوش ؟
قال : نجعل الناس بها كالوحوش
قلت : فالمقاهي ؟
قال : نرحب فيها بكل لاهي
قلت : ما هو ذكركم؟
قال : الأغاني
قلت : وعملكم؟
قال : الأماني
قلت : وما رأيكم بالأسواق ؟
قال : علمنا بها خفاق وفيها يجتمع الرفاق
قلت : فحزب البحث الاشتراكي ؟
قال : قاسمته أملاكي وعلمته أورادي وأنساكي
قلت : كيف تضلّ الناس ؟
قال : بالشهوات والشبهات والملهيات والأمنيات والأغنيات
قلت : كيف تضلّ النساء ؟
قال : بالتبرج والسفور وترك المأمور وارتكاب المحظور
قلت : فكيف تضلّ العلماء؟
قال : بحب الظهور والعجب والغرور وحسد يملأ الصدور
قلت : كيف تضلّ العامة ؟
قال : بالغيبة والنميمة والأحاديث السقيمة وما ليس له قيمة
قلت : فكيف تضلّ التجار ؟
قال : بالربا في المعاملات ومنع الصدقات والإسراف في النفقات
قلت : فكيف تضلّ الشباب ؟
قال : بالغزل والهيام والعشق والغرام والاستخفاف بالأحكام وفعل الحرام
قلت : فما رأيك بدولة اليهود (اسرائيل) ؟
قال : إياك والغيبة فإنها مصيبة واسرائيل دولة حبيبة ومن القلب قريبة
قلت : فأبو نواس؟
قال : على العين والرأس لنا من شعره اقتباس
قلت : فأهل الحداثة؟
قال : أخذوا علمهم منا بالوراثة
قلت : فالعلمانية؟
قال : إيماننا علماني وهم أهل الدجل والأماني ومن سماهم فقد سماني
قلت : فما تقول في واشنطن؟
قال : خطيبي فيها يرطن وجيشي فيها يقطن وهي لي وطن
قلت : فما رأيك في الدعاة ؟
قال : عذبوني وأتعبوني وبهذلوني وشيبوني يهدمون ما بنيت ويقرءون إذا غنيت ويستعيذون إذا أتيت
قلت : فما تقول في الصحف ؟
قال : نضيع بها أوقات الخلف ونذهب بها أعمار أهل الترف ونأخذ بها الأموال مع الأسف
قلت : فما تقول في هيئة الإذاعة البريطانية ؟
قال : ندخل فيها السم في الدسم ونقاتل بها بين العرب والعجم ونثني بها على المظلوم ومن ظلم
قلت : فما فعلت في الغراب ؟
قال : سلطته على أخيه فقتله ودفنه في التراب حتى غاب
قلت : فما فعلت بقارون ؟
قال : قلت له احفظ الكنوز يا ابن العجوز لتفوز فأنت أحد الرموز
قلت : فماذا قلت لفرعون ؟
قال : قلت له يا عظيم القصر قل أليس لي ملك مصر فسوف يأتيك النصر
قلت : فماذا قلت لشارب الخمر ؟
قال : قلت له اشرب بنت الكروم فإنها تذهب الهموم وتزيل الغموم وباب التوبة معلوم
قلت : فماذا يقتلك ؟
قال : آية الكرسي منها تضيق نفسي ويطول حبسي وفي كل بلاء أمسي
قلت : فما أحب الناس اليك ؟
قال : المغنون والشعراء الغاوون وأهل المعاصي والمجون وكل خبيث مفتون
قلت : فما أبغض الناس اليك ؟
قال : أهل المساجد وكل راكع وساجد وزاهد عابد وكل مجاهد
قلت : أعوذ بالله منك فاختفى وغاب كأنما ساخ في التراب وهذا جزاء الكذاب !

الخميس، 7 أبريل 2011

من جريدة الجمهورية

السلفيون وماذا يريدون بمصر؟
الشيخ/ محمد حسان
الحمد لله وصلي الله علي نبينا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين وبعد.. فأنا أشكر حضراتكم جميعاً علي هذه الدعوة الكريمة المباركة التي أسعد فيها
بلقاء الأفاضل الذين يديرون كفة التوجيه والفكر في جريدة الجمهورية. وأهنئهم علي ثوبهم الجديد وأسأل الله أن يجعلها بداية خير وبركة علي بلادنا وعلي أمتنا وأسال الله تعالي مزيداً من التوفيق والسداد إنه ولي ذلك وهو القادر عليه. وأدخل في الحوار مباشرة لهذه المحاور الساخنة فعلاً.
السلفيون أيها الافاضل وسوف أكون واضحاً جداً - في كل إجاباتي إن شاء الله تعالي لأنني أعتقد أن المرحلة التي نحياها الان لا تحتمل ما يعرف بالإتيكيت الفكري. ولا تعترف بما يسمي دبلوماسية الحوار. ولذا سوف تكون الإجابات واضحة جداً. وأسأل الله التوفيق والسداد والإخلاص..
السلفية ليست حزباً وليست جماعة. وليس من حق أي شخص أن يجعل من نفسه حارساً علي بوابة السلفية. ليُدخل من هذه البوابة من شاء وليُخرج منها من شاء. وإنما السلفية منهج لفهم القرآن. والسنة بفهم سلف الأمة وعلي رأس السلف سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم.. والرسول هو أول من استعمل لفظة السلف حين أسر إلي فاطمة الزهراء "البضعة الطاهرة" رضي الله عنها منه وهو علي فراش الموت. سارها مرة فبكت وسارها مرة فضحكت فلما سئلت عن سبب ضحكها قالت ان رسول الله قال لها: أنا لكي خير سلف والحديث في الصحيحين. ولا أريد ان أذكر الحديث بطوله لضيق الوقت فقط ثم إن أول من لقب بالسلف الصالح من الصحابة هو عثمان بن مظعون رضي الله عنه. المنهج السلفي بمعناه الدقيق هو فهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة أي بفهم الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم بإحسان الي يوم الدين. قال الله عز وجل:¢ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَي وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّي وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا¢ "النساء 115" والمقصود بالمؤمنين هنا الصحابة. وشرف لنا أيها الأحبة أن نرجع لفهم القرآن والسنة بفهم السلف.. بفهم الصحابة لأنهم أعلم الناس بمراد الله ورسوله وهم أفهم الناس بكتاب الله وكلام رسوله صلي الله عليه وسلم. روي الإمام احمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ¢من كان مُستنّاً فليستن بمن قد مات. فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد. كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا. وأعمقها علمًا. وأقلها تكلفًا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه. فاعرفوا لهم حقهم. وتمسكوا بهديهم. فإنهم كانوا علي الهدي المستقيم¢ وقد شهد الرسول صلي الله عليه وسلم لهذه القرون بالخيرية ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ¢ خير الناس قرني. ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم¢.. بعض أساتذتنا من أدبائنا ومفكرينا وعلمائنا يقولون إن السلفية مدة زمنية مقصورة علي القرون الخيرية الأولي وهذا شرف آخر لتزكية النبي لهذه القرون والبعض الآخر يقول وهو الأولي أن السلفية منهج لفهم الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.. هل معني ذلك أن باب الاجتهاد قد أغلق وأننا سنظل قاصرين علي فهم القرآن والسنة علي فهم سلفنا حتي فيما يَجد من النوازل والطوارئ والمشاكل.. والجواب لا.. بل هم من أصلوا لنا أن باب الاجتهاد سيظل مفتوحاً الي قيام الساعة مادام قد توافرت للمجتهد شروط الاجتهاد. كحفظ القرآن.. والسنة.. العلم باللغة العربية علما دقيقا.. وأن يكون عالماً بالدليل.. ومراتب الدليل.. وأن يفرق بين المجمل والمبين.. بين العام والخاص.. بين الناسخ والمنسوخ.. أن يكون بصيراً بالواقع لأنه لا يجوز للعالم أو المفتي أن يفتي في أي مسألة من المسائل إلا بعلمين الأول: فهم الواقع ولاحظوا أن علماءنا قدموا فهم الواقع علي الأدلة الشرعية.. ان من السفه أن أبحث في كتاب ربي وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم عن دليل شرعي لواقع أجهله أو لا أفهمه أو لا أعرف أبعاده ولا أقف علي معطياته بدقة. فالفهم الواقعي هو الأمر الأول ثم بعد ذلك يقولون فهم الواجب في الواقع أي فهم الدليل الشرعي الذي ينسحب علي هذا الواقع. لا أريد أن أطيل ولكن ما أود أن اؤكد عليه أن السلفية ليست حزباً وليست جماعة وإنما هي منهج لفهم القرآن والسنة بفهم السلف الصالح فإذا طرحت أمامنا آية أو حديث فأنا اقولها صراحة أنا اُقدم فهم عبد الله بن مسعود عن فهمي. وأقدم فهم عمر علي فهمي. واقدم فهم أبا بكر علي فهمي من يلومني في هذا. أما إن نزلت بالأمة نازلة ووقعت بالأمة مشكلة لا أجد فيها كلاماً للسلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة السابقين فيجب علي أهل العلم في هذا الزمان أن يُعملوا القواعد الكلية والنصوص العامة لاستنباط الحكم الذي يناسب هذه النازلة او المشكلة الطارئة..
الجمهورية
قلتم أن فهم الواقع فوق الأدلة الشرعية. وكذا عندما تكون هناك قضية من قضايا الواقع فينبغي ان نعود الي السلف الصالح وأنا أقدم فهم السلف الصالح علي فهمي. الا تري أن هناك تناقضا بين الاثنين؟.. تناقض بين فهم الواقع الذي اعطي له الأولوية الأولي في الاستيعاب والفحص ثم الرأي وبين التقيد برؤية سابقة اعطيها المجال لتكون اقدس من فكري فكيف أفكر وما هي حدود فكري تجاه هذا الامر؟..
الشيخ/ محمد حسان
أظن أن الجواب كان واضحاً. قلت لو عُرضت علي آية من كتاب الله أوحديث من أحاديث سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم فأنا أُقدم فهم عبد الله بن مسعود وفهم الصحابة لهذه الآية أو لهذا الحديث علي فهمي لماذا؟.. قال عبد الله بن مسعود ما من آية من كتاب الله نَزلت إلا وأنا أعلم متي نَزلت وأين نَزلت. وأنا أقدم فَهم هؤلاء لأنهم أَفهم الناس لمراد الله ورسوله صلي الله عليه وسلم.
أما إن نزلت بالأمة نازلة أو استجدت بالامة مشكلة فيجب علي علماء الزمان أن يعملوا النصوص الشرعية بأحكامها الكلية وقواعدها العامة من خلال فهم دقيق لواقع الأمة ليسقطوا الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة علي هذا الواقع.. إذ لا ينبغي علي الإطلاق أن أقف عاجزاً بدعوي أنني لا أجد قولاً في هذه النازلة لأبي بكر أو لعمر أو لعثمان أو لعلي أو لغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم جميعاً. إنما باب الاجتهاد سوف يبقي مفتوحاً الي قيام الساعة وهذا لابد فيه من توافر شروط الاجتهاد لهذا المجتهد الذي سيسقط الحكم الشرعي علي هذا الواقع. فلا تعارض بيننا وبين ما نقول..
الجمهورية
لكن هنا عنصر المواءمة هل فهم الواقع هذا معناه أن أفهمها علي أنها المواءمة.. هل هذا هو الفهم المقصود؟.. إذا قلنا أن فهم الواقع هو الادراك لكل ما حولي هل هذا معناه أنني أوائم بين هذا الفكر والواقع الخاص بي الذي أري به اليوم حوله مستجدات كثيرة تحتاج الي آليات جديدة وتحتاج الي رؤي أخري وتناول مختلف والي عناصر توازن جديدة بيني وبين قوي المجتمع المحيط بي.. أين أنا من هذا في منهج السلف؟..
الشيخ/ محمد حسان
أنا أوافقك علي كل هذه الطروحات. وهذا هو الذي قال به علماؤنا: إنه لا يجوز للعالم أو الحاكم أو المفتي أن يُفتي في أي مسألة إلا بعلمين. الأول فهم الواقع فلابد من ان أكون علي بصيرة دقيقة وعلي وعي عميق بواقع أمتي. وبواقع بلدي وبالواقع الذي سأجلس لأسحب له دليلاً شرعياً من القرآن والسنة. حتي تحدث هذه المواءمة ويحدث هذا الوفاق وأنا أبشركم بأنه لا يمكن أبداً أن يصطدم العقل مع النقل الصحيح أو أن تصطدم مصلحة الناس المنضبطة بالشريعة مع الواقع فالشريعة ما جاءت إلا لتحقيق مصالح العباد. فلا تعارض أبداً بين هذه المصالح الشرعية المنضبطة الصحيحة لأن المصالح تنقسم الي ثلاثة أقسام حتي أكون دقيقاً هي: المصلحة الشرعية والمصلحة المهدرة أو الملغاة والمصلحة المرسلة.. أما الشرعية فحيثما وجد الشرع فثمة المصلحة. لأنه شرع الله الذي خلق وهو يعلم من خلق والذي يتسم بالتكامل والشمول واللعتدال والعدل والسماحة والرحمة لأنه دين ربنا سبحانه وتعالي وهذه هي المصلحة الشرعية.. فأينما وجد الشرع فثمة المصلحة.. والقسم الثاني هو المصلحة المهدرة أو الملغاة وهي المصلحة المحرمة ومثالاً لذلك.. لو أن مصر تزرع مليون فدان من العنب ولو باعت محصول هذه المساحة عنباً لحَصلت سعراً معيناً لكنها لو حولت هذه المساحة الي خمر لحَصلت أضعاف أضعاف هذا السعر.. هل نقول مصلحة البلد التي تشعر الان بحالة اختناق اقتصادي تلزمنا أن نبيع هذا العنب خمراً لا ان نبيعه عنباً.. والجواب لا فهذه مصلحة مهدرة لأنها محرمة تصطدم مباشرة مع المصلحة الشرعية. أما المصلحة المرسلة التي تختلف باختلاف الزمان والمكان فتضبطها القواعد العامة لهذا الدين ومثالاًً لذلك: توثيق عقود الزواج الآن فالتوثيق لم يكن موجودا في عهد النبي ولا في عهد القرون الخيرية الأولي ولكنها ضرورة من ضروريات هذا الزمان لنضمن بها الحقوق للنساء في زمن خربت فيه الذمم وقل فيه الورع وقل فيه الدين والإيمان.
الجمهورية
فضيلة الشيخ أرجو أن يتسع صدرك لهذه الفرضية. أنا اقول لو فهم السلفيون المنهج السلفي كما عبرت عنه الان ما كان هذا الصدام الذي نراه الان بين السلفية من جانب وبين كل من الواقع والقوي السياسية والمجتمع المصري وجموع المواطنين سواء كانوا مسلمين او مسيحيين.. كيف تفسر هذا الصدام الان؟..
الشيخ/ محمد حسان
أنا أفسر هذا بأنه ليس من حق أي أحد - وهذه معضلة حقيقية - أن يتكلم باسم المنهج السلفي وأن يُحاكم هذا المنهج بكلمات الشيخ كذا أو كذا..
وإنما يجب أن نرد كلام كل واحد مهما كان وزنه وقدره الي كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم الي هذا الفهم الراقي أنا عاهدت الله أن أكون صريحاً جداً بلا اتيكيت فكري وأنا أقولها لله وأعلنتها أن هناك أخطاء قاتلة يقع فيها بعض المنتسبين الي المنهج السلفي لا يسيئون بها الي المنهج فحسب بل الي الإسلام كله.. لأنه صار الحكم الان علي الإسلام من خلال خطأ يقع فيه محمد حسان أو غيره وأنا ذكرت أنه ليس من العدل ولا من الإنصاف أن يحاكم الإسلام كمنهج ودين لمجرد خطأ بعض المنتسبين الي هذا الدين فنحن لا نقبل إن أخطأ أحد أحبابنا الصحفيين أن نحاكم جريدة الجمهورية التي أخطأ فيها هذا الصحفي وهذا ليس من الإنصاف وليس من العدل. فإذا أخطأ من ينتسب الي طائفة معينة لا ينبغي أن نحاكم هذه الطائفة بكاملها. وأنا أؤكد أن هناك أخطاء ولا ينبغي أن ننكرها. وينبغي أن تكون هذه الأخطاء محدودة وبحجمها. وأن تقدر بقدرها وأن يحاسب أفرادها لأنه للأسف لا يوجد الان من يتكلم باسم السلفيين كلهم أو باسم التيارات السلفية المختلفة لان هناك أيضاً تيارات داخل السلفية وهذه حقيقة. ونثبتها لكم أن هناك تيارات متعددة داخل المنهج السلفي وكل تيار له بعض الرؤي وهناك خلافات حقيقة موجودة بين هذه التيارات وهذا هو سر الخلاف الذي يتساءل عنه بعض أحبابنا.. من نصدق من السلفيين؟..
الجمهورية
وماذا تريدون بمصر؟
الشيخ/ محمد حسان
أتصور أنه لا يوجد مسلم مهما كان انتماؤه يحمل في قلبه ذرة من دين أو وطنية إلا وهو يحب الخير لهذا البلد.. وأنا شخصياً مستعد لان أفتدي مصر بدمي
وروحي والله لا أقول ذلك للاستهلاك الإعلامي.. فمصر قد لا يعرف الكثير من الأجيال الصاعدة الان قدرها لأنهم عاشوا طيلة السنوات الطويلة الماضية في وقت قهر وظلم وفساد واستبداد فقرنوا هذه الحالة الاجتماعية الفاسدة الجائرة باسمي علم. باسمي كبيري فخرج كثير من شبابنا ينقم علي هذا الاسم الجليل الكبير¢مصر¢ وهي التي ذكاها وذكرها الله تعالي في القرآن وذكر اسمها مجرداً ويكفي أن أُذكر بآية واحدة ولها مغزي ألا وهي قول الله حكاية عن يوسف قال تعالي: ¢ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ¢ وستبقي مصر إن شاء الله تستجابة منه لدعوة الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم. آمنة الي قيام الساعة بإذن الله تعالي.. مصر أوصي بها رسول الله صلي الله عليه وسلم محمد كما في صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال: ¢ إنكم ستفتحون - مصر- وهي أرض يسمي فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلي أهلها فإن لهم ذمةً وصهرًا¢ وقال في حقها عمرو بن العاص إن ولاية مصر تعدل الخلافة.. هذا الكلام يكتب بماء الذهب. فمن يحكم مصر كأنه يحكم المسلمين وخلافة الأمة.. لأن مصر هي قلب العالم الإسلامي النابض ولو توقف نبض هذا القلب لتعطل هذا الجسد وترهل كله مهما كان حجمه ومهما كانت ضخامته. فمصر هي الأرض التي سار علي أرضها الانبياء.. سار علي أرضها ابراهيم ويعقوب ويوسف وإدريس وإسماعيل. وسار علي أرضها ما يزيد علي خمسين صحابي من اصحاب النبي عليه الصلاة والسلام حتي قال في حقها كعب الأحبار: لولا أنني أحب السكني في أرض الشام لسكنت مصر.. قيل ولما يا أبا اسحاق قال: لأن أهلها في عافية الي قيام الساعة ومن قصد مصر بسوء كَبه الله علي وجهه.. بل أبشركم بأنه مكتوب في التوراة: إن مَن قصد مصر بسوء قصمه الله عز وجل. وأنا أعلنها بكل ثقة أنه لا يوجد علي أرض مصر مصري مهما كان انتماؤه سلفيا أو اخوانيا.. انصار سنة.. تبليغ.. صوفيا.. الي غير ذلك إلا وهو يحمل في قلبه الحب لهذا البلد ولا أنكرانه قد يخطئ البعض في التعبير عن هذا الحب وقد يخطئ البعض في توجهه وتحركه لتقديم الخير لهذا البلد وهذا الأمر يحتاج الي تضافر الجهود لا الي التنافر والي التغافر لا الي التنابذ والنصح لا الي القدح.. وأنا قرأت في أحدي الصحف أنه لابد أن يكون هناك تعاملاً أمنياً مع السلفيين ولا يجوز أن يكون هناك حوار مع هؤلاء الهمج.. هل هذا حوار أم اشعال للنار؟.. هل هذه نصيحة أم قذف؟.. نحن نريد ان نعيد الان ما خرجنا جميعاً من أجل تغييره ولا حرج علي الإطلاق أن تراني علي خطأ وتوجهني ولا خير فِي إن لم أسمع نُصحك وينبغي أن يكون الحوار مهذباً مؤدباً بأدب الحوار وأن يسمع الجميع الآخر. ولو اتسع الوقت لبينت لحضراتكم أن أدب الحوار أصل من أصول هذا الدين. وأول من علمنا أدبيات الحوار هو سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم.. ففي حديث في مستدرك الحاكم وسنن ابن ماجة وعند ابي نعيم في الحلية بسند حسن وكلكم يعرفه لما جاء عتبة بن ربيعة وهو مشرك. بل رأس من رءوس الكفر وجاء الي النبي ليعرض عليه اموراً وليحاوره قال له يا محمد يا ابن أخي. إنك منا حيث قد علمت من السطة أي: المكانة في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم. وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم. وكفرت به من مضي من آبائهم. فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها.
فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع. ولم يقل له النبي الكريم أنت كافر ولم يقل له قل يا عتبه بل كناه.. فقال له عتبة إن كنت تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتي تصير أكثرنا مالاً.. ومع ما قال لم يسبه النبي الكريم.. وأضاف عتبه قائلاً: "وإن كنت تريد مُلكاً ملكناك علينا وإن كنت تريد بهذا الأمر سيادة سودناك علينا حتي لا نقطع أمرًا دونك وإن كان الذي يأتيك من الجن بذلنا أموالنا في الطب حتي تبرأ"... أنظر للأدب الراقي للحبيب.. قال له: أوقد فرغت يا أبا الوليد؟.. قال: نعم: قال: فاسمع مني.. والله ما سب الرسول عتبه ولا أغلظ له القول. أنظر الي الأدب النبوي ماذا قال؟ قال: أفعل. فأخذ رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يتلو عليه من سورة فصلت: ¢حم "1" تَنزِيلى مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "2" كِتَابى فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمي يَعْلَمُونَ "3" بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ"4" وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةي مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرى وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابى فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ "5" قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرى مِّثْلُكُمْ يُوحَي إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهى وَاحِدى فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلى لِّلْمُشْرِكِينَ "6" الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ "7" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرى غَيْرُ مَمْنُوني "8" قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ "9"¢.. واسترسل الحبيب في القراءة. وتخيلوا حلاوة القرآن حين يتلوه سيد الخلق صلي الله عليه وسلم حتي إذا انتهي إلي الآية موضوع السجدة منها وهي الآية ¢"37" وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ¢ وخر النبي ساجداً ثم رفع رأسه ونظر الي أبي الوليد عتبة بن ربيعة وقال له: قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذلك. فقام عتبة إلي أصحابه فقال بعضهم: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به. وقالوا ما وراءك يا ابا الوليد قال: يا قوم أطيعوني وأجعلوها بي والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة وليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم يا قوم دعوا الرجل وما هو فيه فإن تظهر عليه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر علي العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله محمد. قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم.. هذا هو الحوار في الإسلام يعلمنا إياه سيد المحاورين وسيد النبيين صلي الله عليه وسلم.
الجمهورية
ونحن نعيش الان حرب مصطلحات ويتم تضليل الشعب حتي المثقفون يتخذون من حرب المصطلحات مدخلاً ومنهجاً لتضليل الناس وإدخالهم في مسائل خلافية يصعب تحديد أولها من آخرها. وأريد ان اسألك وانت بهذه الرؤية والوضوح. هل نحن عجزنا أن نخلق سلفية معاصرة؟.. جديدة بعيدة عن تلك التي تتقوقع في متون الكتب القديمة.. أو هل هذا العصر لا يسمح إلا بظهور الفاسدين وتربية عتاة الاستبداد ولا يسمح ببناء رجل صالح جديد في هذا العصر؟
الشيخ/ محمد حسان
أنا عندي أمل في الله سبحانه وتعالي ثم في بلدنا في المرحلة المقبلة أن نري بروز الصالحين المصلحين وعندي أمل. ولم اصب بفضل الله بالإحباط ولن أصاب به إن شاء الله وأنا معك اخي الحبيب أن مصر في المدة الماضية نامت. ومرضت وطال نومها. واشتد مرضها ولكنها ما ماتت. ولن تموت بإذن الله ¢
ولئن عرف التاريخ أوسا وخزرجا
فلله أوس قادمون وخزرج
وإن كنوز الغيب تخفي طلائع
حرة رغم المكائد تخرج¢
أما بالنسبة للجزئية الاولي نعم. أنا معك تماماً في أننا نحتاج في هذا الوقت الي سلفيين يفهمون الكتاب والسنة ويفهمون الواقع فهماً جيداً ولا أقول واقع مصر فقط. بل واقع الامة والعالم وأنا لا أصدق أبداً أن يعيش الان رجل ينتسب الي هذا المنهج الرباني وهذا المنهج النبوي الذي يصلح الدنيا بكل جزئياتها. ولا أتصور أن منهجاً يضع لنا آداب الدخول لقضاء الحاجة ولا يضع لنا أصول إقامة دولة. ولا يضع لنا أصول التعامل مع الآخرين مع المسلمين وغير المسلمين ولا يضع لنا اصول التعامل في السياسة الخارجية والاقتصادية: هذا خلل أن يقال لا تزجوا بالدين في كل جزئية بل الدين هو يحكم كل جزئية من جزئيات الحياة. لكن نذهب الي روح هذا العصر بفهم دقيق للواقع الذي نعيش فيه. لا يجوز الان أن أستدل بفتوي لشيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه -وهو أستاذي- في قضية بعينها في واقع نعيشه الان يختلف عن الواقع الذي عاشه شيخ الإسلام. وهذا ما يحتم علي علمائنا المنتسبين الي هذا المنهج أن يكونوا علي فهم دقيق ووعي عميق وبصيرة تامة نافذة بجزئيات هذا الواقع ليستطيعوا بأمانة وصدق أن يسحبوا الأدلة الشرعية التي تتناسب مع هذا لان تصور هذا الواقع الواقع هو الذي ينبع منه الحكم.
الجمهورية
هل هذا ممكن يا مولانا؟ وكل يري أنه صاحب المنطق السليم فقط..
الشيخ/ محمد حسان
عبرت عن ذلك وقلت إن الشعار المرفوع الان بعد الثورة وهو الشعب يريد إسقاط الشعب. تسود حاله من التشكيك والفوضي ولا أسميها حرية بل أسميها حرية متفلتة. وكلنا عاشق للحرية لكن للحرية المسئولة والمنضبطة وليس معني أننا نتنفس عبير الحرية وشذاها الفواح الذي حرمنا منه طيلة السنوات الماضية أن نتفلت من ضوابط الحرية وأن تنفلت الالسنة وأن يقول كل إنسان ماشاء في أي وقت شاء. ثم يمضي بعد ذلك آمناً مطمئناَ ليصبح الكل مجروحاً وسمعته ملوثة وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام وهذه حالة من القلق والشك لايمكن ان تطاق بحال من الأحوال.. انا اقول: هذا ممكن في ظل الاهتمام بهذه الضوابط وأنه ليس من حق الكل أن يتكلم فيما شاء في أي وقت يشاء. وإنما لابد ان يراقب الله إن لم يكن موجودا من يراقبه من الجهات الامنية فينبغي أن نراقب الله وأن نجني ثمرة الحرية لتستفيد منها بلدنا في دفع عجلة التنمية والعمل والإبداع والإنتاج والقضاء علي الأخلاق الفاسدة. لماذا لا توجه هذه الحرية لدفع البناء والتنمية والإنتاج..؟ لماذا الي الان سقف الحرية مستخدماً في الطعن وإلصاق التهم وللهدم لا للبناء؟.. فأنا معك أن هذا ممكن إذا تعدلت هذه الأفكار والتغيير الحقيقي لن يأتي بوضع مواد للدستور أو بوضع دستور جديد كله. وأعتقد أن الواقع لن يتغير بسن قوانين جديدة وإنما يتغير بتغيرنا نحن من أعماقنا ومن داخلنا ¢ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمي حَتَّي يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ¢ فأنا أري أن الخطوة الأولي علي طريق التغيير هي تغيير الأفكار وتطهيرها. فالمؤسسات الإعلامية والتعليمية والاقتصادية والأمنية والحقيقة أنني أدين لله أن مؤسسات مصر الأصل فيها هم الشرفاء. وأنا ادين لله بهذا. وإن وجد بعض المفسدين فيجب حساب هؤلاء المفسدين محاسبة عادلة بلا تشف او ظلم ومَن أراد ان يجدد التوبة والأوبة وان يرجع إلي الله. فلا ينبغي ان نجعل من انفسنا آلهه لنحاسب الخلق في الدنيا. إنما نفتح الباب لمن أراد أن يتوب ويرجع إلي الله عز وجل ويصحح توبته برد ما سلبه من حق ومن مال. وتبقي علاقته بربه بينه وبين ربه لا يتدخل فيها مخلوق علي وجه الأرض.
أسأل الله سبحانه وتعالي ان ييسر لهذا الطرح الذي ارجوه.
الشيخ عاشور.. وكيل الأزهر الأسبق:
أرفض إنشاء هيئة علماء.. من غير الأزهريين
السلفيون لا يقبلون إلا أنفسهم.. ويكفرون ما عداهم
أؤيد حسان في الدعوة بمراجعة الفكر السلفي
رفض فضيلة الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق عرض الداعية الشيخ محمد حسان بأن يسمح الأزهر الشريف بضم علماء الدين من غير الأزهر إلي مجمع البحوث الإسلامية أو إلي هيئة بديلة عن المجمع يرأسها شيخ الأزهر وتضم جميع علماء مصر.
فسر الشيخ اعتراضه بأن الأزهر هو المؤسسة العلمية الدينية المعترف بها عالميا لن تقبل أن ينضم إليها متشددون أو متطرفون أو أصحاب فكر التكفير والهجرة واستحلال الدماء والأموال والبهائيين وغيرهم.
وتساءل: إنه إذا تم ذلك فهل هناك آلية معينة تحدد من ينضم ومن لا ينضم وهل سيكون صاحب غزوة الصناديق عضوا فيها؟ وهل سيكون دعاة ماء النار لغير المنتقبات وهادمو الأضرحة والمقابر أعضاء فيها؟
* قالت "الجمهورية" للشيخ عاشور: ولكن كلام فضيلتكم يعني مصادرة جانب كبير من علم علماء الأمة وفكرهم..؟
** الأزهر هو المؤسسة العلمية الدينية المعترف بها عالميا وتميزت طوال تاريخها بالوسطية بدليل أنها علي مدي أكثر من ألف عام لم تخرج متشددين ولم يكن ذلك صدفة كما قد يتصور البعض وإنما بسبب منهجه الذي يعتمد علي قواعد معينة تكون شخصية العالم المتوازن وتعلم المتنسب إليه ما هو الدين وتدريبه علي قبول الاختلاف والموضوعية والتنوع في الفكر إلي درجة أن تجد في القضية الواحدة عشرة آراء يدرسها الطالب دون هجوم عليها وإذا مال إلي إحداها قدم دليله دون أن يتهم آراء العلماء الآخرين بالخطيئة فإذا انتقلنا إلي هؤلاء العلماء الآخرين الذين نذكرهم نعلم جميعا أنهم لا يؤمنون بآرائهم هم ما ينقلونه عن الوهابين وما عداهم كفر إلي آخر هذه الأوصاف التي يتهم بها البعض.
* بم تفسر أحادية هذا الاتجاه لهؤلاء العلماء؟
** أفسره بأنهم لم يتعلموا العلم الديني بمنهجية علمية سليمة فهم ينقلون عن الفكر الوهابي الذي يركز علي الشكل أكثر من تركيزه علي المضمون فالجلباب واللحية أهم من مد يد العون للناس والإحسان في التعامل معهم والرحمة بهم وقبول الآخر ومن لا تنتقب من النساء فهي آثمة رغم أن النقاب فيه آراء مختلفة ومتنوعة تبدأ بالفرضية مرورا بالاستحسان والجواز وانتهاء بالتحريم ولأن كل رأي من هذه الآراء قال به علماء لهم قدمهم الراسخة في العلم يصبح من حق كل مسلم أن يأخذ بأحد هذه الآراء ويكون علي صواب إلا أنهم لا يقبلون إلا ما يرونه ويؤثمون من عداهم.
*الشيخ محمد حسان قال إن بين السلفية تيارات متشددة لا تمثل كل السلفية وتعترف بأخطاء ارتكبها بعض السلفيين..؟
** الشيخ حسان نفسه الذي يدعونا إلي الحوار حذر من كتب الشيخ عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق ووصفها بأنها مليئة بالقصص الخرافية خاصة في مناقب السيد البدوي وأبي العباس المرسي رغم أن الإمام عبدالحليم محمود عالم ورغم أنه نفسه قال إنه رأي سيدنا خالد بن الوليد رأي العين في مسجد التوحد وهو يلقي درسا وعنما التفت الحضور لسيدنا خالد قال لهم لا تلتفتوا فأنتم بين يدي عالم.
أما قوله إن السلفية بها تيارات متشددة فهذه حقيقة وبداية الاعتراف بذلك هو الحل والحوار والمراجعة هي البداية.
* فعلا فقد دعا الشيخ محمد حسان إلي مراجعة فكر السلفية في الفترة المقبلة؟
** وأنا أتفق معه فيما وصل إليه وفيما قاله والمراجعة يجب أن تشمل كل التيارات وأنا أدعوهم أن يتريثوا في الحديث عن السياسة فما نراه ونسمعه من البعض محزن فهناك آراء وأقوال غريبة تصل إلي تحريم الانتخابات نفسها.
* دعا فضيلة الشيخ محمد حسان إلي ائتلاف للتيارات الإسلامية؟
** التقارب من الأمور الجيدة لأن الإسلام طالبنا بالتقارب والتجمع لذلك جعل الله ثواب صلاة الجماعة أعظم من صلاة الفرد لما في الاجتماع من تواصل وتقارب وتعارف وتعاون وتواد وغير ذلك من الأمور الإيجابية وليس لمجرد الصلاة كما ميز الله - سبحانه وتعالي - الأمة الإسلامية علي لسان سيدنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بأنها تجتمع علي صلاة للإعلاء من شأن الاجتماع والتجمع ويصبح بمنطق المخالفة أن اجتماعها دليل علي صواب مسلكها. والأمثلة التي تحثنا فيها السنة النبوية علي التلاقي والتقارب كثيرة ومتنوعة.. وأنا أتفق معه في دعوته هذه وأدعو السلفية إلي حوار داخلي عميق وتثقيف عام قبل الحديث في السياسة وهي دعوة مخلصة لأن ما نسمعه أحيانا غريب وخطره قد يلحق بالأمة كلها.
* نفي فضيلة الشيخ حسان أن يكون السلفيون مسئولين عن هدم الأضرحة وقطع أذن أحد المواطنين وأنهم لا يقبلون بمثل هذه السلوكيات؟
** نفيه وحده لا يكفي خاصة أنه كثيرا ما يقول إنه يتحدث عن نفسه وإذا كان السلفيون ينفون ذلك فعليهم أن يصدروا بيانات بذلك تؤكد أنهم ليسوا ضد الأضرحة وليسوا دعاة هدمها ولا هادميها خاصة أن الذين هدموا الأضرحة قالوا: إنهم سلفيون فمطلوب بيان من جميع تياراتهم يؤثم هذا الفعل ويؤكد أن السلفيين لا يكفرون الصوفية..؟
فعلا فالشيخ قال مستعدون للحوار مع الصوفية وغيرهم. وأنا أحيي هذا الاتجاه بشرط أن يكون جادا.
* وعلي ذكر التكفير ما رأيكم في دعوة البعض إلي إنشاء هيئة عليا للتكفير أي هيئة تحكم بالكفر أو عدمه لمن يرتكب أمورا معينة؟
** إن الله - سبحانه وتعالي - لم يمنح لأحد توكيلا ليتكلم باسمه فيقول فلان كافر وفلان مؤمن.. وما هي مرجعية هذه اللجنة فسيدنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - نفسه قال: هلا شققت عن قلبه.. إن هذه الدعوة دعوة غير مسئولة ومن يقول بها لا يعرف الإسلام علي حقيقته لذا فأنا أتفق مع القوات المسلحة التي قالت: لن نسمح بوجود خوميني في مصر.
الصوفية يرحبون بدعوة حسان للحوار
أبوالعزايم: سبق أن طالبتهم باللقاء لكنهم رفضوا
مستعدون لتبني الدعوة.. ودعمها بين كل التيارات
علق فضيلة الشيخ أبوالعلاء أبوالعزايم عضو المجلس الأعلي للتصوف علي دعوة الشيخ محمد حسان للحوار مع الصوفية بقوله: نحن مستعدون للحوار وقد سبق أن دعوناهم خاصة جمعية أنصار السنة للحوار لكنهم رفضوا.. وأضاف: إننا نوافق علي دعوة الشيخ حسان لائتلاف بضم كل التيارات ومستعدون لتبني ذلك ودعمه بكل أشكال الدعم لأن المرحلة التي تمر بها مصر الآن عقب الثورة مرحلة حرجة تحتاج للتقارب ونسيان الخلافات وما يجمع المسلمين أكبر مما يفرقهم.. وقال إنني أحذر إن لم نتدارك ما يحدث من صراع دموي قد يقع بين التيارات الإسلامية بل بين التيار الواحد بسبب حداثة العهد بالحرية والانفلات في التصريحات والآراء خاصة ممن ليس لهم دراية بالعمل العام.
في الحلقة الثانية من الندوة غدا الجمعة
قلنا لمحمد حسان :
** أنتم تهدمون الأضرحة .. وتهددون غير المحجبات
** استوليتم علي بعض منابر المساجد .. بالقوة
** دعمتم العهد البائد .. وساندتم رجال أمن الدولة
** أحدكم قطع أذن قبطي .. وقتلتم طفلا لأنه لم يصل الفجر
فأجاب الشيخ :
هدم الأضرحة غير جائز .. وحماية الأقباط فرض علي المسلم
** أرفض اعتلاء أي منبر دون إذن
** الثورة لم تكن خروجا علي الحاكم .. لذلك أيدناها
** هناك خلافات حقيقية داخل التيار السلفي ونراجع المصطلحات والفتاوي الآن

السبت، 2 أبريل 2011

الندم على المعصية وطلب التوبة الصادقة

ماعز بن مالك الأسلمي



هو عريب بن مالكٍ وماعز لقب له، وهو من قبيلة أسلم.

أهم ملامح شخصيته:

إحساسه العميق بالندم على المعصية وطلب التوبة الصادقة حتى لو كانت نهايته ويظهر ذلك في موقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم..

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

ـ يروي يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: أن رجلاً من أسلم جاء إلي أبي بكر الصديق فقال: إن الآخر زنى! فقال له أبو بكر هل ذكرت هذا لأحدٍ غيري؟ فقال: لا. فقال له أبو بكر فتب إلي الله واستتر بستر الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، فلم تقرره نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب فقال له مثل ما قال لأبي بكر. فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر. قال: فلم تقرره نفسه حتى جاء إلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن الآخر زنى: فقال سعيدٌ: فأعرض عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث مراتٍ، كل ذلك يعرض عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كثر عليه بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلي أهله، فقال: "أيشتكي أم به جنة"؟ فقالوا: يا رسول الله إنه لصحيحٌ! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أبكرٌ أم ثيبٌ"؟ فقالوا: بل ثيبٌ يا رسول الله. فأمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرجم.

ـ ولما صلوا على ماعز بن مالك ودفنوه.. مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على موضعه مع بعض أصحابه.. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين يقول احدهم لصاحبه: أنظر إلى هذا الذي ستر الله عليه ولم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلاب.. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم سار ساعة.. حتى مر بجيفة حمار.. قد أحرقته الشمس
حتى إنتفخ وارتفعت رجلاه.. فقال صلى الله عليه وسلم: أين فلان وفلان؟ قالا:
نحن ذان.. يا رسول الله.. قال: أنزل.. فكلا من جيفة هذا الحمار
قال: يا نبي الله!! غفر الله لك.. من يأكل من هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
ما نلتما من عرض أخيكما آنف.. أشد من أكل الميتة.. لقد تاب توبة لو قسمت
على أمة لوسِعتهم والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها.

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:

روى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن نعيم بن هزال: أن هزالا كانت له جارية ترعى له وأن ماعزا وقع عليها فخدعه هزال وقال: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فعسى أن ينزل قرآن فأتاه فأخبره فأمر به فرجم وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهزال: يا هزال لو سترته بثوبك لكان خيرا لك..

بعض ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم

روى عنه ابنه عبد الله حديثاً واحداً فيقول:عبد الله بن ماعز أن ماعزا حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فكتب له كتابا أن ماعزا البكائي أسلم آخر قومه وأنه لا يجني عليه إلا يده فبايعه على ذلك.

الوفاة:

وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم ضرب ماعز فطول الأوليين من الظهر حتى كاد الناس يعجزون عنها من طول القيام فلما انصرف أمر أن يرجم فرجم فلم يقتل حتى رماه عمر بن الخطاب بلحي بعير فأصاب رأسه فقتله فقال رجل حين فاظ لماعز: تعست! فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! نصلي عليه؟ قال: نعم فلما كان الغد صلى الظهر فطول الركعتين الأوليين كما طولها بالأمس أو أدنى شيئاً فلما انصرف قال: صلوا على صاحبكم فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم والناس.

ويروي أبو سعيد: أن رجلاً من أسلم يقال له: ماعز بن مالكٍ أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني أصبت فاحشةً فأقمه علي! فرده النبي -صلى الله عليه وسلم- مراراً، ثم سأل قومه فقالوا: ما نعلم به بأساً إلا أنه أصاب شيئاً يرى أنه لا يخرج منه إلا أن يقام فيه الحد. قال: فرجع إلي النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمرنا أن نرجمه. قال: فانطلقنا به إلي بقيع الغرقد، قال: فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظام والمدر والخزف، قال: فاشتد، واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة، فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة -يعنى الحجارة- حتى سكت! ثم قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطيباً من العشي فقال: "أو كلما انطلقنا غزاةً في سبيل الله تخلف رجلٌ في عيالنا له نبيبٌ كنبيب التيس؟ علي أن لا أوتي برجلٍ فعل ذلك إلا نكلت به" قال: فما استغفر له ولا سبه.

ما قيل في توبته:

يروى عن بريدة قال: لما رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك كان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك على أسوء حالة، لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول: أتوبة أفضل من توبة ماعز بن مالك! إنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده وقال: اقتلني بالحجارة فلبثوا كذلك يومين أو ثلاثاً ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال: استغفروا لماعز بن مالك، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم.
وعن ابن جرير عن بريدة قال: لما رجم ماعز قال ناس من الناس: هذا ماعز أهلك نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تاب إلى الله توبة لو تابها فئة من الناس لقبل منهم.

الزوار

free counters

بحث هذه المدونة الإلكترونية